سلسة الوبائياتمركز الموارد البحثي

الجزء الثّالث والتّسعون: ما هو الالتباس؟

الالتباس هو تشوّه (عدم دقّة) في المقياس التقديري للترابط الّذي يحدث عند اختلاط التّعرض الأساسي المدروس مع عامل آخر مترابط مع النّتيجة.
في الرّسم البياني أدناه، الهدف الأساسي هو التّأكد من قوّة الترابط بين الخمول البدني وأمراض القلب، ويظهر العمر كعامل التباس فهو مرتبط بالتعرض (أيّ أن كبار السّن أكثر خمولاً عادةً)، والنّتيجة (لأن كبار السّن أكثر عرضةً للإصابة بأمراض القلب).

من أجل حدوث الالتباس، يجب أن يرتبط العامل الدّخيل بالتّعرض الأساسي المدروس والمرض المدروس كذلك. على سبيل المثال: قد يشرب الأشخاص النشطون جسديًا المزيد من السوائل (مثل المياه والمشروبات الرياضية) مقارنة بالأشخاص غير النشطين، ولكن شرب المزيد من السوائل ليس له تأثير على الإصابة بأمراض القلب؛ لذا لا يُعدّ تناول السّوائل عامل التباسٍ هنا.

أو إذا كان التوزيع العمري متشابهًا في مجموعات التعرض المُقارَنة فلن يتسبب العمر بالتباس.

صقل فهمنا للالتباس:

يستخدم روثمان وآخرون دراسةً قام بها ستارك ومانتل لتوضيح الملامح الرئيسية للالتباس، حيث درسوا العلاقة بين ترتيب الولادة وخطر الإصابة بمتلازمة داون.

يظهر الرسم البياني ميلاً واضحًا نحو زيادة انتشار متلازمة داون مع ازدياد ترتيب الولادة، أو ترابطاً بين تزايد ترتيب الولادة وخطر الإصابة بمتلازمة داون.

يبدو أن الولد الخامس لديه زيادة تقارب 4 أضعاف في خطر الولادة بمتلازمة داون؛ وتدعونا نتائج كهذه أيضًا إلى التفكير في الآليات المسببة لذلك. لماذا قد يؤدي ترتيب الولادة إلى زيادة خطر الإصابة بمتلازمة داون؟ أبق في ذهنك أن هذا التحليل لا يأخذ في الاعتبار أي “عوامل خطر” أخرى إلى جانب ترتيب الميلاد.

أبقِ في ذهنك أيضًا أنّ ترتيب ولادة الأطفال مرتبطٌ بعمر الأم وقتها، وعندما فحص ستارك ومانتل العلاقة بين سن الأم وقت الولادة وخطر إصابة الطفل بمتلازمة داون، لاحظوا العلاقة الموضحة في الرسم البياني أدناه.
يظهر هذا علاقة أكثر لفتا للنظر بين سن الأم عند الولادة وخطر ولادة الطفل بمتلازمة داون.

منطقيّاً، النساء اللّواتي يلدن طفلهن الخامس أكبر وسطياً من اللّواتي يلدن طفلهن الأول؛ وبعبارة أخرى، يختلط ترتيب ولادة الأطفال مع عمر الأم وقتها. العلاقة بين سن الأم وانتشار متلازمة داون أقوى بكثير منها بين ترتيب الطفل ومتلازمة داون، والمرأة التي تلد طفلها الخامس أكبر بوضوح مما كانت عليه عندما أنجبت أطفالها السابقين. هذا يعني أنّ العلاقة بين ترتيب الولادة وانتشار متلازمة داون ملتبسة بالعمر، وبعبارة أخرى، العلاقة بين ترتيب الولادة ومتلازمة داون مبالغٌ فيها بتأثير الالتباس بعمر الأم.

ولكن هل يعدّ العكس صحيحاً أيضاّ؟ هل أثر عمر الأم ملتبس بترتيب الولادة؟ هذا ممكن، ولكن فقط إذا كان لترتيب الميلاد تأثير مستقل على احتمال الإصابة بمتلازمة داون، أي تأثير مستقل عن حقيقة أنّه مرتبط بعمر الأم. يشير روثمان لطريقة جيّدة لحل هذه المشكلة بالنظر إلى كلا التأثيرين سويّةً، كما في الرسم البياني أدناه.

يوضح هذا الرّسم البياني، إلى حد ما، العلاقات من خلال رصْفِ انتشار متلازمة داون حسب ترتيب الولادة وعمر الأم، وبالاطلاع على كيفيّة تغير الانتشار ضمن أي فئة عمرية من جانب إلى آخر، يتضح أن زيادة ترتيب الولادة لا يرتبط بانتشار متلازمة داون؛ وبعبارة أخرى، إذا “ضُبط سنّ الأم”، فلا يبقى دليلٌ على أيّ تأثيرٍ لترتيب الميلاد.
من ناحية أخرى، إذا فُحِص التغيّر في معدل الانتشار داخل كل مجموعة من مجموعات ترتيب الولادة من الأمام إلى الخلف، فمن الواضح أن هناك زيادة ملحوظة فيه بتزايد عمر الأم في المستويات الخمسة لترتيب الميلاد جميعها؛ وبعبارة أخرى، حتى بعد أخذ ترتيب الميلاد في عين الاعتبار (أي ضبطه) يبقى الترابط القوي مع سن الأم.

بناءً على هذا التحليل، يمكن استنتاج وجود التباسٍ للترابط بين ترتيب الولادة ومتلازمة داون بالعمر، حيث كان لمجموعات ترتيب الولادة المختلفة توزيعات عمرية مختلفة، ويرتبط عمر الأم -كما لاحظنا- بوضوح بانتشار متلازمة داون؛ ونتيجة لذلك، كان الترابط بين ترتيب الولادة ومتلازمة داون الظاهر في الشكل الأول يرجع بالكامل إلى تأثير العمر الالتباسي.
من ناحية أخرى، لم يلتبس الترابط بين عمر الأم ومتلازمة داون بترتيب الميلاد، لأن ترتيب الميلاد ليس له تأثير على انتشارها، ولم يتشوه الترابط بين العمر ومتلازمة داون بالاختلافات في ترتيب الولادة.

كشف تعقيد المشاكل الصّحيّة:

تمتلك معظم المشكلات الصحية العديد من المحددات (“عوامل الخطر”)، لذلك ليس من المستغرب تواجد العديد من عوامل الالتباس المحتملة؛ وفي حين أنّه يمثل حاجزًا أمام اختبار فرضية معينة، إلا أنه يُعتبر فرصةً لتفصيل المحددات العديدة وتحديد أهميتها.

في “علم الوبائيات – مقدمة” يقول كين روثمان ما يلي حول هذا التعقيد: “يمكن اعتبار عملية البحث المتعلقة بمعرفة عوامل الالتباس وضبطها بمثابة المشي عبر متاهة للوصول إلى هدفٍ مركزيّ. في النهاية، يسمح المسار عبر المتاهة للعالِم باختراق مستويات تقترب توالياً من الهدف: في مثال عمر الأم ومتلازمة داون أمكن تفسير العلاقات الظاهرة بين متلازمة داون وترتيب الميلاد بالكامل من خلال تأثير عمر الأم، ولكن هذا التأثير بدوره سيُفسّر في نهاية المطاف بعوامل أخرى لمّا  تُحدد بعد.

بالتخلّص من طبقات الالتباس، نقترب تدريجيًا من فهم سببي أعمق للبيولوجيا الكامنة وراء التأثير المدروس، وعلى عكس المتاهة، فإن هذه الرحلة نحو الفهم البيولوجي ليس لها نقطة نهاية واضحة، بمعنى أن هناك دائمًا مساحة لفهم علم الأحياء بطريقة أعمق”.

المساهمون:

ترجمة: غريس حنّا
تدقيق: د. هيا محمّد خير

المصدر: Boston University Educational Course

http://sphweb.bumc.bu.edu/otlt/MPH-Modules/BS/BS704-EP713_Confounding-EM/BS704-EP713_Confounding-EM2.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى